فصل: تفسير الآية رقم (98):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان المشهور بـ «تفسير القرطبي»



.تفسير الآية رقم (93):

{إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (93)}
قوله تعالى: {إِنَّمَا السَّبِيلُ} أي العقوبة والمأثم. {عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ} والمراد المنافقون. كرر ذكرهم للتأكيد في التحذير من سوء أفعالهم.

.تفسير الآية رقم (94):

{يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (94)}
قوله تعالى: {يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ} يعني المنافقين. {لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ} أي لن نصدقكم. {قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ} أي أخبرنا بسرائركم. {وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ} فيا تستأنفون. {ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي يجازيكم بعملكم. وقد مضى هذا كله مستوفي.

.تفسير الآية رقم (95):

{سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (95)}
قوله تعالى: {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ} أي من تبوك. والمحلوف عليه محذوف، أي يحلفون أنهم ما قدروا على الخروج. {لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ} أي لتصفحوا عن لومهم.
وقال ابن عباس: أي لا تكلموا هم.
وفي الخبر أنه قال عليه السلام لما قدم من تبوك: «ولا تجالسوهم ولا تكلموهم». {إِنَّهُمْ رِجْسٌ} أي عملهم رجس، والتقدير: إنهم ذوو رجس، أي عملهم قبيح. {وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ} أي منزلهم ومكانهم. قال الجوهري: المأوى كل مكان يأوي إليه شيء ليلا أو نهارا. وقد أوى فلان إلى منزله يأوي أويا، على فعول، وإواء. ومنه قوله تعالى: {سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ} [هود: 43]. وآويته أنا إيواء. وأويته إذا أنزلته بك، فعلت وأفعلت، بمعنى، عن أبى زيد. ومأوي الإبل بكسر الواو لغة في مأوى الإبل خاصة، وهو شاذ.

.تفسير الآية رقم (96):

{يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (96)}
حلف عبد الله بن أبي ألا يتخلف عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد ذلك وطلب أن يرضي عنه.

.تفسير الآية رقم (97):

{الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97)}
قوله تعالى: {الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً} فيه مسألتان: الأولى: لما ذكر عز وجل أحوال المنافقين بالمدينة ذكر من كان خارجا منها ونائيا عنها من الاعراب، فقال كفر هم أشد. قال قتادة: لأنهم أبعد عن معرفة السنن.
وقيل: لأنهم أقسى قلبا وأجفى قولا وأغلظ طبعا وأبعد عن سماع التنزيل، ولذلك قال الله تعالى في حقهم: {وَأَجْدَرُ} أي أخلق. {أَلَّا يَعْلَمُوا} {أن} في موضع نصب بحذف الباء، تقول: أنت جدير بأن تفعل وأن تفعل، فإذا حذفت الباء لم يصلح إلا بـ {أن} وإن أتيت بالباء صلح بـ {أن} وغيره، تقول: أنت جدير أن تقوم، وجدير بالقيام. ولو قلت: أنت جدير القيام كان خطأ. وإنما صلح مع {أن} لان أن يدل على الاستقبال فكأنها عوض من المحذوف. {حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ} أي فرائض الشرع.
وقيل: حجج الله في الربوبية وبعثة الرسل لقلة نظرهم.
الثانية: ولما كان ذلك ودل على نقصهم وحطهم عن المرتبة الكاملة عن سواهم ترتبت على ذلك أحكام ثلاثة: أولها- لا حق لهم في الفيء والغنيمة كما قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صحيح مسلم من حديث بريدة وفيه: «ثم ادعهم إلى التحول من دار هم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين فإن أبوا أن يتحولوا عنها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجرى على المؤمنين ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين». وثانيها- إسقاط شهادة أهل البادية عن الحاضرة لما في ذلك من تحقق التهمة. وأجاز ها أبو حنيفة قال: لأنها لا تراعى كل تهمة والمسلمون كلهم عنده على العدالة. وأجازها الشافعي إذا كان عدلا مرضيا وهو الصحيح لما بيناه في البقرة. وقد وصف الله تعالى الاعراب هنا أوصافا ثلاثة: أحدها- بالكفر والنفاق. والثاني- بأنه يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر. والثالث- بالايمان بالله وباليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول فمن كانت هذه صفته فبعيد ألا تقبل شهادته فيلحق بالثاني والأول وذلك باطل. وقد مضى الكلام في هذا في النساء. وثالثها- أن إمامتهم بأهل الحاضرة ممنوعة لجهلهم بالسنة وتركهم الجمعة. وكره أبو مجلز إمامة الاعرابي.
وقال مالك: لا يؤم وإن كان أقرأ هم.
وقال سفيان الثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأى: الصلاة خلف الاعرابي جائزة. واختاره ابن المنذر إذا أقام حدود الصلاة.
قوله تعالى: {أَشَدُّ} أصله أشدد وقد تقدم. {كُفْراً} نصب على البيان. {وَنِفاقاً} عطف عليه. {وَأَجْدَرُ} عطف على أشد ومعناه أخلق يقال: فلان جدير بكذا أي خليق به وأنت جدير أن تفعل كذا والجمع جدراء وجديرون وأصله من جدر الحائط وهو رفعه بالبناء. فقوله: هو أجدر بكذا أي أقرب إليه وأحق به. {أَلَّا يَعْلَمُوا} أي بألا يعلموا. والعرب: جيل من الناس والنسبة إليهم عربي بين العروبة وهم أهل الأمصار. والاعراب منهم سكان البادية خاصة. وجاء في الشعر الفصيح أعاريب. والنسبة إلى الاعراب أعرابي لأنه لا واحد له وليس الاعراب جمعا للعرب كما كان الأنباط جمعا لنبط وإنما العرب اسم جنس. والعرب العاربة هم الخلص منهم واخذ من لفظه وأكد به كقولك: ليل لائل. وربما قالوا: العرب العرباء. وتعرب أي تشبه بالعرب. وتعرب بعد هجرته أي صار أعرابيا. والعرب المستعربة هم الذين ليسوا بخلص وكذلك المتعربة والعربية هي هذه اللغة. ويعرب بن قحطان أول من تكلم بالعربية وهو أبو اليمن كلهم. والعرب والعرب واحد مثل العجم والعجم. والعريب تصغير العرب قال الشاعر:
ومكن الضباب طعام العريب ** ولا تشتهيه نفوس العجم

إنما صغرهم تعظيما كما قال: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب كله عن الجوهري. وحكى القشيري وجمع العربي العرب وجمع الاعرابي أعراب وأعاريب. والاعرابي إذا قيل له يا عربي فرح والعربي إذا قيل له يا أعرابي غضب. والمهاجرون والأنصار عرب لا أعراب. وسميت العرب عربا لان ولد إسماعيل نشئوا من عربة وهي من تهامة فنسبوا إليها. وأقامت قريش بعربة وهي مكة وأنتشر سائر العرب في جزيرتها.

.تفسير الآية رقم (98):

{وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (98)}
قوله تعالى: {وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ} {مِنَ} في موضع رفع بالابتداء. {ما يُنْفِقُ مَغْرَماً} مفعولان، والتقدير ينفقه، فحذفت الهاء لطول الاسم. {مَغْرَماً} معناه غرما وخسرانا وأصله لزوم الشيء، ومنه: {إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً} [الفرقان: 65] أي لازما، أي يرون ما ينفقونه في جهاد وصدقة غرما ولا يرجون عليه ثوابا. {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ} التربص الانتظار، وقد تقدم. والدوائر جمع دائرة، وهي الحالة المنقلبة عن النعمة إلى البلية، أي يجمعون إلى الجهل بالإنفاق سوء الدخلة وخبث القلب. {عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ} قرأه ابن كثير وأبو عمرو بضم السين هنا وفي الفتح، وفتحها الباقون. وأجمعوا على فتح السين في قوله: {ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ} [مريم: 28]. والفرق بينهما أن السوء بالضم المكروه. قال الأخفش: أي عليهم دائرة الهزيمة والشر.
وقال الفراء: أي عليهم دائرة العذاب والبلاء. قالا: ولا يجوز أمرأ سوء بالضم، كما لا يقال: هو امرؤ عذاب ولا شر. وحكي عن محمد بن يزيد قال: السوء بالفتح الرداءة. قال سيبويه: مررت برجل صدق، ومعناه برجل صلاح. وليس من صدق اللسان، ولو كان من صدق اللسان لما قلت: مررت بثوب صدق. ومررت برجل سوء ليس هو من سؤته، وإنما معناه مررت برجل فساد.
وقال الفراء: السوء بالفتح مصدر سؤته سوءا ومساءة وسوائية. قال غيره: والفعل منه ساء يسوء. والسوء بالضم اسم لا مصدر، وهو كقولك: عليهم دائرة البلاء والمكروه.

.تفسير الآية رقم (99):

{وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (99)}
قوله تعالى: {وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ} أي صدق. والمراد بنو مقرن من مزينة، ذكره المهدوي. {قُرُباتٍ} جمع قربة، وهي ما يتقرب به إلى الله تعالى، والجمع قرب وقربات وقربات وقربات، حكاه النحاس. والقربات بالضم ما تقرب به إلى الله تعالى، تقول منه: قربت لله قربانا. والقربة بكسر القاف ما يستقي فيه الماء، والجمع في أدنى العدد قربات وقربات وقربات، وللكثير قرب. وكذلك جمع كل ما كان على فعلة، مثل سدرة وفقرة، لك أن تفتح العين وتكسر وتسكن، حكاها الجوهري. وقرأ نافع في رواية ورش {قربة} بضم الراء وهي الأصل. والباقون بسكونها تخفيفا، مثل كتب ورسل، ولا خلاف في قربات. وحكى ابن سعدان أن يزيد بن القعقاع قرأ {ألا إنها قربة لهم}. ومعنى {وَصَلَواتِ الرَّسُولِ} استغفاره ودعاؤه. والصلاة تقع على ضروب، فالصلاة من الله عز وجل الرحمة والخير والبركة، قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ} [الأحزاب: 43] والصلاة من الملائكة الدعاء، وكذلك هي من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما قال: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة: 103] أي دعاؤك تثبيت لهم وطمأنينة. {أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ} أي تقربهم من رحمة الله، يعني نفقاتهم.

.تفسير الآية رقم (100):

{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100)}
فيه سبع مسائل:
الأولى: لما ذكر عز وجل أصناف الاعراب ذكر المهاجرين والأنصار، وبين أن منهم السابقين إلى الهجرة وأن منهم التابعين، وأثنى عليهم. وقد اختلف في عدد طبقاتهم وأصنافهم. ونحن نذكر من ذلك طرفا نبين الغرض فيه إن شاء الله تعالى.
وروى عمر بن الخطاب أنه قرأ {وَالْأَنْصارِ} رفعا عطفا على السابقين. قال الأخفش: الخفض في الأنصار الوجه، لان السابقين منهما. والأنصار اسم إسلامي. قيل لأنس بن مالك: أرأيت قول الناس لكم: الأنصار، اسم سماكم الله به أم كنتم تدعون به في الجاهلية؟ قال: بل اسم سمانا الله به في القرآن، ذكره أبو عمر في الاستذكار.
الثانية: نص القرآن على تفضيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وهم الذين صلوا إلى القبلتين، في قول سعيد بن المسيب وطائفة.
وفي قول أصحاب الشافعي هم الذين شهدوا بيعة الرضوان، وهي بيعة الحديبية، وقاله الشعبي. وعن محمد بن كعب وعطاء بن يسار: هم أهل بدر. واتفقوا على أن من هاجر قبل تحويل القبلة فهو من المهاجرين الأولين من غير خلاف بينهم. أما أفضلهم وهي: الثالثة: فقال أبو منصور البغدادي التميمي: أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الاربعة، ثم الستة الباقون إلى تمام العشرة، ثم البدريون ثم أصحاب أحد ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية.
الرابعة: وأما أولهم إسلاما فروى مجالد عن الشعبي قال: سألت ابن عباس من أول الناس إسلاما؟ قال أبو بكر، أو ما سمعت قول حسان:
إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة ** فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا

خير البرية أتقاها وأعدلها ** بعد النبي وأوفاها بما حملا

الثاني التالي المحمود مشهده ** وأول الناس منهم صدق الرسلا

وذكر أبو الفرج الجوزي عن يوسف بن يعقوب بن الماجشون أنه قال: أدركت أبي وشيخنا محمد بن المنكدر وربيعة بن أبي عبد الرحمن وصالح بن كيسان وسعد بن إبراهيم وعثمان بن محمد الأخنسي وهم لا يشكون أن أول القوم إسلاما أبو بكر، وهو قول ابن عباس وحسان وأسماء بنت أبي بكر، وبه قال إبراهيم النخعي.
وقيل: أول من أسلم علي، روي ذلك عن زيد ابن أرقم وأبي ذر والمقداد وغير هم. قال الحاكم أبو عبد الله: لا أعلم خلافا بين أصحاب التواريخ أن عليا أولهم إسلاما.
وقيل: أول من أسلم زيد بن حارثة. وذكر معمر نحو ذلك عن الزهري. وهو قول سليمان بن يسار وعروة بن الزبير وعمران بن أبي أنس.
وقيل: أول من أسلم خديجة أم المؤمنين، روي ذلك من وجوه عن الزهري، وهو قول قتادة ومحمد بن إسحاق بن يسار وجماعة، وروي أيضا عن ابن عباس. وأدعى الثعلبي المفسر اتفاق العلماء على أن أول من أسلم خديجة، وأن اختلافهم إنما هو فيمن أسلم بعدها. وكان إسحاق بن إبراهيم بن راهويه الحنظلي يجمع بين هذه الاخبار، فكان يقول: أول من أسلم من الرجال أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الصبيان علي، ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن العبيد بلال. والله أعلم. وذكر محمد بن سعد قال: أخبرني مصعب بن ثابت قال حدثني أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل قال: كان إسلام الزبير بعد أبي بكر وكان رابعا أو خامسا. قال الليث بن سعد وحدثني أبو الأسود قال: أسلم الزبير وهو ابن ثمان سنين. وروي إن عليا أسلم ابن سبع سنين.
وقيل: ابن عشر.
الخامسة: والمعروف عن طريقة أهل الحديث أن كل مسلم رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو من أصحابه. قال البخاري في صحيحه: من صحب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه. وروي عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يعد الصحابي إلا من أقام مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سنة أو سنتين، وغزا معه غزوة أو غزوتين. وهذا القول إن صح عن سعيد بن المسيب يوجب ألا يعد من الصحابة جرير بن عبد الله البجلي أو من شاركه في فقد ظاهر ما اشترطه فيهم ممن لا نعرف خلافا في عده من الصحابة.
السادسة: لا خلاف أن أول السابقين من المهاجرين أبو بكر الصديق.
وقال ابن العربي: السبق يكون بثلاثة أشياء: الصفة وهو الايمان، والزمان، والمكان. وأفضل هذه الوجوه سبق الصفات، والدليل عليه قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصحيح: «نحن الآخرون الأولون بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعد هم فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له فاليهود غدا والنصارى بعد غد». فأخبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن من سبقنا من الأمم بالزمان سبقناهم بالايمان والامتثال لأمر الله تعالى والانقياد إليه، والاستسلام لأمره والرضا بتكليفه والاحتمال لوظائفه، لا نعترض عليه ولا نختار معه، ولا نبدل بالرأي شريعته كما فعل أهل الكتاب، وذلك بتوفيق الله لما قضاه، وبتيسيره لما يرضاه، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
السابعة: قال ابن خويز منداد: تضمنت هذه الآية تفضيل السابقين إلى كل منقبة من مناقب الشريعة، في علم أو دين أو شجاعة أو غير ذلك، من العطاء في المال والرتبة في الإكرام.
وفي هذه المسألة خلاف بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. واختلف العلماء في تفضيل السابقين بالعطاء على غيرهم، فروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان لا يفضل بين الناس في العطاء بعضهم على بعض بحسب السابقة. وكان عمر يقول له: أتجعل ذا السابقة كمن لا سابقة له؟ فقال أبو بكر: إنما عملوا لله واجر هم عليه. وكان عمر يفضل في خلافته، ثم قال عند وفاته: لئن عشت إلى غد لألحقن أسفل الناس بأعلاهم، فمات من ليلته. والخلافة إلى يومنا هذا على هذا الخلاف. قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ} فيه مسألتان: الأولى: قرأ عمر {والأنصار} رفعا. {الَّذِينَ} بإسقاط الواو نعتا للأنصار، فراجعه زيد ابن ثابت، فسأل عمر أبي بن كعب فصدق زيدا، فرجع إليه عمر وقال: ما كنا نرى إلا أنا رفعنا رفعة لا ينالها معنا أحد. فقال أبي: إني أجد مصداق ذلك في كتاب الله في أول سورة الجمعة: {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} [الجمعة: 3] وفي سورة الحشر: {وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ} [الحشر: 10].
وفي سورة الأنفال بقوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ} [الأنفال: 74]. فثبتت القراءة بالواو. وبين تعالى بقوله: {بِإِحْسانٍ} ما يتبعون فيه من أفعالهم وأقوالهم، لا فيما صدر عنهم من الهفوات والزلات، إذ لم يكونوا معصومين رضي الله عنهم.
الثانية: واختلف العلماء في التابعين ومراتبهم، فقال الخطيب الحافظ: التابعي من صحب الصحابي، ويقال للواحد منهم: تابع وتابعي. وكلام الحاكم أبي عبد الله وغيره مشعر بأنه يكفي فيه أن يسمع من الصحابي أو يلقاه وإن لم توجد الصحبة العرفية. وقد قيل: إن اسم التابعين ينطلق على من أسلم بعد الحديبية، كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص ومن داناهم من مسلمة الفتح، لما ثبت أن عبد الرحمن بن عوف شكا إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خالد بن الوليد، فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لخالد: «دعوا لي أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم كل يوم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحد هم ولا نصيفه». ومن العجب عد الحاكم أبو عبد الله النعمان وسويدا ابني مقرن المزني في التابعين عند ما ذكر الاخوة من التابعين، وهما صحابيان معروفان مذكوران في الصحابة، وقد شهدا الخندق كما تقدم. والله أعلم. وأكبر التابعين الفقهاء السبعة من أهل المدينة، وهم سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وخارجه بن زيد، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبد الله بن عتبة بن مسعود، وسليمان بن يسار. وقد نظمهم بعض الأجلة في بيت واحد فقال:
فخذهم عبيد الله عروة قاسم ** سعيد أبو بكر سليمان خارجه

وقال أحمد بن حنبل: أفضل التابعين سعيد بن المسيب، فقيل له: فعلقمة والأسود. فقال: سعيد بن المسيب وعلقمة والأسود. وعنه أيضا أنه قال: أفضل التابعين قيس وأبو عثمان وعلقمة ومسروق، هؤلاء كانوا فاضلين ومن علية التابعين.
وقال أيضا: كان عطاء مفتي مكة والحسن مفتي البصرة فهذان أكثر الناس عنهم، وأبهم. وروي عن أبي بكر بن أبي داود قال: سيدتا التابعين من النساء حفصة بنت سيرين وعمرة بنت عبد الرحمن، وثالثهما- وليست كهما- أم الدرداء. وروي عن الحاكم أبي عبد الله قال: طبقة تعد في التابعين ولم يصح سماع أحد منهم من الصحابة، منهم إبراهيم بن سويد النخعي وليس بإبراهيم بن يزيد النخعي الفقيه. وبكير بن أبي السميط، وبكير بن عبد الله الأشج. وذكر غيرهم قال: وطبقة عدادهم عند الناس في أتباع التابعين. وقد لقوا الصحابة منهم أبو الزناد عبد الله بن ذكوان لقي عبد الله بن عمر وأنسا. وهشام بن عروة، وقد أدخل على عبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله وموسى بن عقبة، وقد أدرك أنس بن مالك. وام خالد بنت خالد بن سعيد.
وفي التابعين طبقة تسمى بالمخضرمين، وهم الذين أدركوا الجاهلية وحياة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأسلموا ولا صحبة لهم. واحدهم مخضرم بفتح الراء كأنه خضرم، أي قطع عن نظرائه الذين أدركوا الصحبة وغيرها. وذكرهم مسلم فبلغ بهم عشرين نفسا، منهم أبو عمرو الشيباني، وسويد بن غفلة الكندي، وعمرو بن ميمون الأودي، وأبو عثمان النهدي وعبد خير بن يزيد الخيراني بفتح الخاء، بطن من همدان، وعبد الرحمن بن مل. وأبو الحلال العتكي ربيعة بن زرارة. وممن لم يذكره مسلم، منهم أبو مسلم الخولاني عبد الله بن ثوب، والأحنف بن قيس. فهذه نبذة من معرفة الصحابة والتابعين الذين نطق بفضلهم القرآن الكريم، رضوان الله عليهم أجمعين. وكفانا نحن قوله عز وجل: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] على ما تقدم، وقوله عز وجل: {وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} [البقرة: 143] الآية.
وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وددت أنا لو رأينا إخواننا...». الحديث. فجعلنا إخوانه، إن اتقينا الله واقتفينا آثاره حشرنا الله في زمرته ولا حاد بنا عن طريقته وملته بحق محمد وآله.